برقاش
أكبر أسواق الإبل في مصر ومنطقة التقاء القوافل بين الصحراء والتجارة

القاهرة – أصايل الإبل
وسط مشهد يخطف الأبصار، تمتد صحراء برقاش بمحافظة الجيزة على مساحة شاسعة، حيث تكتظ بسوق الإبل الأكبر في مصر، الذي تحول مع مرور السنوات إلى ملتقى تجاري وثقافي يعكس ملامح التراث البدوي، وحركة اقتصادية نشطة تعتمد على تجارة الإبل القادمة من السودان ومناطق مختلفة من إفريقيا. وبين أصوات المنادين، والروائح المميزة، ومشاهد الجمال المربوطة من قوائمها بحبال غليظة.
اصطفت الجمال في السوق في مشهد مهيب؛ بعضها واقف بشموخ، وبعضها جاثٍ على الأرض في هدوء تام، كأنها تدرك عظمة مكانتها في هذا السوق العتيق، الذي يشهد تداول أكثر من 150 ألف رأس من الإبل سنويًا، وفقًا لتقارير وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، بمعدل يصل إلى 12 ألف رأس شهريًا.
وتبدأ رحلة الإبل القادمة من السودان، مرورًا بمدينة الفاشر وكسلا، ثم الحدود المصرية السودانية، وصولًا إلى مدينة شلاتين، التي تمثل أولى محطات دخولها إلى الأراضي المصرية. بعدها، تتجه القوافل إلى سوق دراو بمحافظة أسوان، والذي يُعد أحد أقدم وأهم الأسواق المتخصصة في تجارة الإبل، قبل أن تكمل رحلتها إلى سوق برقاش، حيث تجار الجمال من مختلف محافظات الجمهورية.
يقول المستوردون “نسافر إلى غرب وشرق السودان، ودارفور، لشراء الإبل، ثم ننقلها بالشاحنات، وتكمل الرحلة سيرًا على الأقدام لأيام تصل إلى ستة، قبل أن تصل إلى شلاتين ومنها إلى سوق برقاش”.
يضم السوق أنواعا متعددة من الإبل، منها البلدي، والمغربي، والبيشاري، والدنقلاوي، والزمكلي، والألعناني، والعنافي، ويتم اختيار النوع حسب الغرض؛ سواء للذبح أو العمل أو الركوب. وبحسب تصريحات صحفية للدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، إن هذه الأنواع تدخل السوق حسب الطلب، وتخضع جميعها لرقابة بيطرية دقيقة قبل تداولها.
وتتفاوت أسعار الإبل حسب النوع والعمر والحالة الصحية، فالإبل المعدة للركوب أو العمل الزراعي أغلى من إبل اللحم، والجمل القعود يتراوح سعره من 190 إلى 200 ألف جنيه، أما الجمال الكبيرة فتتراوح أسعارها بين 180 و185 ألف جنيه. وتبدأ أسعار الإبل المصرية من 20 ألف جنيه، بينما تبدأ الإبل السودانية من 30 ألفًا وتصل إلى 70 ألف جنيه.
مع اقتراب موسم الحج وعيد الأضحى، ترتفع أسعار الإبل بسبب زيادة الطلب، ويزداد الإقبال خصوصًا على الإبل المخصصة للأضحية. وتتفوق الإبل السودانية على المصرية في السعر بسبب خصائصها الجسدية وسرعة نموها. أما جمال التحميل والزراعة فهي الأغلى ثمنًا، وتستخدم أحيانًا في التنقل عبر الطرق الوعرة، ما يجعلها هدفًا لبعض عمليات التهريب.
في ظل تفاقم التغيرات المناخية، بدأت الإبل تحظى باهتمام متزايد من الباحثين والمهتمين بالثروة الحيوانية، لما لها من قدرة على التكيف مع البيئات القاحلة والموارد المحدودة من المياه والغذاء. وتُعد الإبل من أقل الحيوانات استهلاكًا للعلف، وأكثرها قدرة على إنتاج اللحوم والحليب في الظروف الصعبة.
ويبلغ تعداد الإبل عالميًا نحو 19 مليون رأس، منها 17 مليونًا عربية وحيدة السنام، وتتصدر السودان والصومال القائمة، فيما تأتي مصر في المرتبة السابعة، بتعداد يتراوح بين 160 و180 ألف رأس، تمثل نحو 1% من إجمالي الثروة الحيوانية في البلاد، وتنتج حوالي 301 ألف طن من اللحوم و43 ألف طن من الحليب سنويًا.
- تولي وزارة الزراعة اهتمامًا خاصًا بالإبل، ضمن جهود تنمية الثروة الحيوانية، خاصة من خلال مشروع “قطيع النواة” الذي يهدف للحفاظ على نقاء السلالات المصرية، وعلى رأسها سلالة “الفلاحي” المنتشرة في وادي النيل والدلتا، والمستخدمة في العمل الزراعي ونقل المحاصيل، إلى جانب إنتاجها الجيد من اللحوم.
- وبحسب مانقل عن الدكتورة فاطمة رمضان، الباحثة بقسم بحوث الإبل بمعهد بحوث الحيوان، إن الإبل تتغذى على الأعشاب الصحراوية وتتحمل ملوحة المياه، ويمكن أن تصل الزيادة اليومية في وزنها إلى 600 جرام في ظروف التغذية الجيدة. وأضافت أن لحوم الإبل منخفضة الدهون وغنية بالبروتين، وتتميز حليبها بفوائد علاجية هامة، خصوصًا في تعزيز المناعة، أما الوبر فيُستخدم في صناعة الملابس والحبال.
- وفي إطار دعم الدولة للقطاع، هناك مقترحات بإنشاء مزارع نموذجية لتربية الإبل في المناطق القريبة من الكثافات السكانية، لتوفير اللحوم والألبان، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. ويشمل أحد النماذج المُقترحة تأسيس مزرعة تبدأ بـ80 ناقة حلوب و20 فحلًا، بطاقة تصل إلى 100 رأس، مع الاعتماد على المراعي الطبيعية والتغذية المكملة.
سوق برقاش ليس مجرد مكان لتجارة الجمال، بل هو امتداد لإرث طويل من الرحلات، والموروثات، والتاريخ البدوي، وشاهد حي على علاقات التبادل التجاري والثقافي بين مصر وعمقها الإفريقي. ومع الاهتمام المتزايد بالإبل كمصدر غذائي واستثماري واعد، يتجه السوق ليكون مركزًا استراتيجيًا في منظومة الأمن الغذائي المصري خلال السنوات المقبلة.