من سويحان إلى الظفرة.. الإبل تكتب حكاية الجمال والتراث في أكبر مزاينة خليجية

  || الظفرة : أصايل الإبل ـ تصوير: محمد عوض
تعيش منطقة الظفرة في إمارة أبوظبي هذه الأيام حالة استثنائية من الحراك التراثي والثقافي، مع تواصل فعاليات مهرجان الظفرة في دورته التاسعة عشرة، الذي يُعد أحد أكبر وأهم المهرجانات التراثية في دولة الإمارات والمنطقة، وتأتي مزاينة الإبل في مقدمة فعالياته، بوصفها حدثًا يعكس عمق الارتباط التاريخي بين الإنسان والإبل، ورمزًا راسخًا من رموز الهوية الإماراتية.
وعلى امتداد ساحات المزاينة، تتشكّل مشاهد بصرية آسرة، حيث تنتشر الإبل بألوانها وسلالاتها المختلفة، في صورة تحوّل المكان إلى لوحة تراثية مفتوحة تنبض بالجمال والأصالة. إبلٌ مصطفّة في ساحات العرض، وأخرى تتحرك في محيط الميدان، وسط متابعة دقيقة من لجان التحكيم، وحضور لافت من ملاك الإبل والهواة والمهتمين بهذا الموروث العريق.
وتشهد المزاينة مشاركات واسعة من مختلف إمارات الدولة، إلى جانب حضور قوي لملاك الإبل من دول مجلس التعاون الخليجي، ما يعكس المكانة التي باتت تحتلها مزاينات الظفرة على المستوى الخليجي، ويؤكد دورها في جمع الموروث المشترك لشعوب المنطقة في فضاء واحد. كما استقطبت الفعاليات أعدادًا كبيرة من الزوار من داخل الدولة وخارجها، بمن فيهم زوار أجانب حرصوا على مشاهدة هذا الحدث التراثي والتعرف عن قرب على ثقافة الإبل في الإمارات.
وتتنوع الإبل المشاركة بين فئات المحليات والمجاهيم والمهجنات الأصايل، حيث تخضع لتقييم دقيق وفق معايير معتمدة أعلنتها اللجنة المنظمة، تشمل الشكل العام، وتناسق القوام، وجمال الرأس، وطول الرقبة، وصفاء اللون، إضافة إلى تفاصيل أخرى تعكس المفهوم المتوارث لجمال الإبل في الثقافة البدوية. وتُدار المنافسات تحت إشراف هيئة أبوظبي للتراث، بما يضمن أعلى درجات التنظيم والشفافية، ويعزز من القيمة التراثية للمزاينة.
ولا يقتصر المشهد على ساحات التحكيم فقط، بل يمتد إلى عزب الملاك المحيطة بالميدان، حيث تتجلى مظاهر الفرح والاحتفاء عند تحقيق المراكز المتقدمة، في أجواء اجتماعية تعكس روح التلاحم والتواصل بين المشاركين. وتتحول هذه العزب إلى مساحات للقاء وتبادل الخبرات، وتوثيق العلاقات بين ملاك الإبل من مختلف المناطق.
وتتكامل مزاينة الإبل مع باقة متنوعة من الفعاليات المصاحبة، التي تشكّل جزءًا أصيلًا من هوية مهرجان الظفرة، وتشمل مسابقات متخصصة في الإبل مثل المحالب وانسف القعود، إلى جانب عروض تراثية وثقافية، وفنون شعبية، وأسواق تقليدية، تقدم للزوار تجربة متكاملة تعكس تفاصيل الحياة البدوية، وتعيد إحياء الموروث الشعبي بأسلوب معاصر.
ويأتي تنظيم هذه الفعاليات في إطار رؤية مهرجان الظفرة، التي تهدف إلى صون التراث الإماراتي الأصيل، وتعزيز حضوره في المجتمع، ونقله إلى الأجيال الجديدة، إضافة إلى تحويله إلى عنصر جذب ثقافي وسياحي يسهم في دعم الاقتصاد الثقافي، ويعزز من مكانة دولة الإمارات كحاضنة للتراث العربي الأصيل.
ومع وصول مزاينة الإبل إلى محطتها الأخيرة في الظفرة، تبقى المشاهد التي صنعتها الإبل بجمالها وتنوعها، والحضور الواسع لملاكها ومحبيها، شاهدة على نجاح المهرجان في تقديم التراث الإماراتي بصورة حيّة ومتجددة، تؤكد أن الإبل ما زالت تحتفظ بمكانتها في الوجدان، وبأن مهرجان الظفرة سيظل منصة رئيسية للاحتفاء بهذا الموروث العريق وترسيخه للأجيال القادمة.
Scroll to Top