
أبوظبي ـ أصايل الإبل
سالم بن حضيرم الكتبي ليس مجرد معلق، بل ذاكرة حية لرياضة الهجن، يجمع بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، يحمل إرث الميدان، ويزرعه في آذان الأجيال عبر الميكروفون بصوته الجهوري وصيحته التي تهز الميدان وتلهب الحماس.
إنه ليس مجرد صوت، بل نبضٌ يتردد مع كل مطية تنطلق، ومع كل خط نهاية يُعلن فيه اسم الفائز، عاشق الهجن ورائد التعليق، وسفير الصوت البدوي الأصيل الذي لا يزال يصدح في فضاء التراث.
في ميادين الهجن، حيث تُنادى المطايا وتتنافس السلالات الأصيلة يعلو صوتٌ مميز، لا تخطئه الآذان ولا تنساه الذاكرة، فصوتٌ بن حضيرم خرج من عمق الصحراء، وتشكل من تراب ميادينها، حتى أصبح رمزاً من رموزها، وأحد أبرز المعلقين في تاريخ سباقات الهجن في الخليج، وصاحب الصيحة الأشهر التي غدت علامة فارقة في عالم التعليق والتحليل
ينتمي سالم إلى جيلٍ البدايات فقد نشأ على ظهر «البوش»، وعاش مع الهجن كأنها جزء من كيانه، بحسب ما قال في حواره الخاص لمجلة «أصايل الإبل»، حيث يعود بنا إلى بداياته الأولى في هذا العالم، قائلاً: منذ نعومة أظفارنا، نحن في معايشة دائمة مع الهجن، نركب البوش، ندربها ونشارك بها، تطورت الأمور واستوت السباقات الرسمية، واستمرينا نركض ونشارك، ونأخذ العزب من الشيوخ، ونبيع ونشتري، ونعيش الهواية بكافة تفاصيلها.
من الميدان إلى الميكروفون.. كيف كانت بداية الحكاية؟
بدأت بالتعليق الميداني بشكل غير رسمي في عام 1987، حين كانت الميادين مفتوحة، والمطايا تُعرف بأسمائها وألوانها دون الحاجة لأرقام، فالعين تحفظ والسلالات مشهودة، أذكر أننا كنا نركب السيارة ونعرف كل مطية ومن صاحبها، بدون أرقام أو لافتات، في تلك الأوقات كنا نعيش اللحظة المثيرة بكل تفاصيلها.
ويضيف: أما التعليق الرسمي، فقد بدأته عام 1989، ثم انطلقت إلى ميادين الدولة كلها بحلول عام 1990، ومن أبرزها ميدان ند الشبا وميدان الوثبة، حيث بدأت تتشكل منظومة التعليق الحديثة، وقتها كان يشاركنا المجال مذيعون كبار، مثل سالم عمر وعلي سالمين، وكنا نُعطى شوطاً أو شوطين للتعليق، والباقي يتناوب عليه مذيعو التلفزيون، ثم بدأتُ أحظى بفرص أوسع، وتحول الأمر من مجرد تجربة إلى عشق وهواية.
عاصر الأجيال وتفوق بين العمالقة
لم يكن بن حضيرم مجرد معلق عابر، بل واحد من الذين واكبوا أجيال التعليق وتطور الميادين، يتذكر بدايات المذيعين الأوائل، ويخص بالذكر أسماء لها وزنها في الذاكرة الجماعية لعشاق الهجن، ومنهم حمد المزروعي، ومحمد بن خادم المنصوري، وكعبوس، وقد تعلمت على يد الأستاذ سالم عمر، الذي كان مذيع الأخبار الأول في التلفزيون، وكان يعلق أيضاً في الهجن، يكفي أن الشيخ زايد – رحمه الله – سأل عنه ذات مرة حين غاب عن النشرة، وقال (وين سالم عمر؟ هاتوه.. خلوه يخابر) .
من التعليق إلى التحليل.. الخبرة تصنع الفارق
مع مرور السنوات، تطور أداء بن حضيرم، وانتقل من التعليق المباشر إلى التحليل التلفزيوني للأشواط، مسجلاً بذلك حضوراً بارزاً في البرامج الحوارية والتحليلية الخاصة بسباقات الهجن، وعن ذلك يقول: التحليل ليس جديداً عليّ، فأنا من زمن مهتم بهذا الجانب، حيث شاركت في العديد من جلسات التحليل، وكان الهدف توعية الجمهور وتوضيح تفاصيل السلالات وأداء المطايا وتاريخها، هذا يُثري المتلقي ويُضفي قيمة على المتابعة.
وقد أطلق محدثنا فقرة شهيرة تحت عنوان «صيحة بن حضيرم»، لاقت رواجاً واسعاً وأصبحت تُقلّد من قبل القنوات وحسابات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في «سناب شات»، وعنها يقول بكل تواضع: هي فقرة بسيطة بدأت بها، لكن لاقت قبولاً واسعاً، وأصبحت نمطاً يُتبع في كل مكان.
دعم الشيوخ.. رافعة الرياضة والمحللين
يتحدث بن حضيرم عن التحولات الكبيرة التي شهدتها رياضة الهجن، لا سيما في جانب الدعم والرعاية، قائلاً: في السابق، كانت الجائزة سيارة واحدة، اليوم وصل الأمر إلى أحدث السيارات والمبالغ النقدية التي تصل إلى خمسة ملايين درهم، هذا الدعم الكبير يقوده الشيوخ، والشيخ سلطان بن حمدان، الذي يولي اهتماماً خاصاً بالمحللين، ويخصص لهم جوائز ويشجعهم على الإبداع والتنافس.
عشق لم ينتهِ.. عزبة ومشاركة
رغم انشغاله في التحليل والتعليق، لم يغادر سالم بن حضيرم ميدان التحدي كمالك ومشارك، فهو يمتلك عزبة خاصة، ويحتفظ بـ «حلال طيب» يشاركه في السباقات ويحقق به مراكز متقدمة، وذلك من منطلق إيمانه بأن معايشة الحلال ليست مجرد مهنة، بل شغف متجذر في القلب والذاكرة.