الربيع… موسم الخصاب ووفرة المراعي وراحة ملاك الإبل من الأعلاف

      ||  حسن سلامة

يُعدّ فصل الربيع من أجمل فصول العام عند مربي الإبل، إذ يأتي بعد مواسم الجفاف والأمطار، حاملاً معه الخير والخصب. ويُطلق عليه في البادية «مرباع الحلال»، حيث تنتشر المراعي الطبيعية في السهول والأودية وعند مصبّاتها، لكثرة الأعشاب البرية التي تنمو بعد نزول الأمطار، فتزدان الأرض بالخضرة وتحيا بعد طول جفاف.

ومع أولى نسمات الربيع واعتدال الطقس، تعود الحياة إلى مراعي الصحراء، فتستعيد الأرض عافيتها وتكتسي بحلّة خضراء طال انتظارها. فيفرح الراعي، وتفرح الإبل، ويبرز هذا الكائن الصحراوي الأصيل بوصفه الأكثر ارتباطًا بالبادية وتحولات الفصول، والأكثر استفادة من ظهور الكلأ والعشب بعد موسم شحيح وقاسٍ.

ويقول أحد مربي الإبل إن فصل الربيع يُعد مرحلة حاسمة في حياة الإبل، إذ يمثّل نقطة تحوّل في صحتها الجسدية ونشاطها الإنتاجي. فبعد أشهر الشتاء وشُحّ الموارد، تبدأ المراعي الطبيعية بإنتاج أنواع متعددة من النباتات البرية مثل: الحمض، الربلة، الخزامى، البختري، الضحيان، المرار، الحربث، الثمام، والسمر، وهي أعشاب غنية بالعناصر الغذائية التي تحتاجها الإبل لتعويض ما فقدته من طاقة، وبناء مخزون غذائي متكامل.

ويؤكد مربو الإبل أن ظهور العشب الربيعي ينعكس مباشرة على الحالة العامة للإبل، حيث يُلاحظ تحسّن واضح في الوزن، ولمعان الوبر، وارتفاع مستوى النشاط والحيوية. كما يُسهم الكلأ الطبيعي في تقوية الجهازين المناعي والهضمي، لاحتوائه على ألياف طبيعية وأملاح معدنية تساعد على تحسين عملية الاجترار ورفع كفاءة الاستفادة من الغذاء.

ولا تقتصر فوائد الربيع على الإبل البالغة فحسب، بل تمتد لتشمل الحوار (صغار الإبل)، إذ يُعد هذا الفصل الأنسب لنموّها. فوفرة الحليب الناتجة عن التغذية الجيدة تعزّز مناعة الحوار، وتُسرّع نموّها، وتقلل من معدلات النفوق، مما يرفع من جودة الحلال مستقبلًا.

ومن الناحية السلوكية، تصبح الإبل أكثر هدوءًا في الربيع، حيث تقل مظاهر الإجهاد الناتجة عن العطش أو نقص الغذاء. وتزداد فترات الرعي الحر، إذ تقضي الإبل ساعات طويلة تتنقّل بين المراعي بحثًا عن النباتات الجديدة غير المرعية، في مشهد يعكس انسجامها الفطري مع الطبيعة وسعيها الدائم لاختيار أجود الأعشاب.

ويرى مختصون في تربية الإبل أن الرعي الربيعي الطبيعي يُعد أفضل من الأعلاف المصنعة، لما له من دور كبير في تحسين الخصوبة لدى الإبل والفحول على حد سواء. فالتوازن الغذائي الذي توفره النباتات البرية ينعكس على انتظام الدورة التناسلية وارتفاع نسب الحمل، مما يجعل الربيع موسمًا استراتيجيًا لمربي الإبل.

كما يشكّل الربيع موسمًا نشطًا لأسواق الإبل، حيث يزداد الإقبال على البيع والشراء نتيجة تحسّن المظهر العام وارتفاع القيمة السوقية. فالإبل التي ترعى على الكلأ الطبيعي تكون أكثر طلبًا لما تتمتع به من صحة جيدة وبنية قوية.

ويبقى فصل الربيع علامة فارقة في دورة حياة الإبل، وموسمًا تنتظره الصحراء كما ينتظره مربّوها، فهو فصل التجدد واستعادة التوازن بين الإنسان والحيوان والأرض، حيث تتجلّى العلاقة العميقة والحميمية بين الإبل والبيئة التي نشأت فيها، وبين الصحراء والربيع والحلال.

Scroll to Top