◊مقال◊
الهجن… قصة لا تنتهي
بقلم: صاحب الإنجاز

♦ نشر على صفحات مجلة أصايل الإبل – العدد الرابع
في مشهد لا يُمحى من ذاكرة الصحراء، تشابكت خطوات الإنسان وخف الناقة، يتقاسمان الطريق والحياة، لم تكن مجرد وسيلة تنقل، بل كانت معينًا على العيش، ورفيقة في الصبر والصمت الطويل. عاشت معه قسوة الطبيعة، وواجهت تقلبات الرمال والعواصف والظمأ، دون شكوى أو تراجع، وفي وقت الشدائد، كانت حاضرة بقوة فهي نعم السند الذي لا يخون صاحبه.
منذ البداية كانت الناقة وإنسان هذه الأرض الطيبة في علاقة متشابكة، رافقته في حله وترحاله وعاشت معه قسوة الحياة وتقاسمت الظروف الصعبة في حياة الصحراء.
وفي عمق الزمن، حيث لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل تُروى بالركاب والعزم، كانت الهجن رفيقة الصحراء، ورفيقة الوجدان وما يحمله القلب من مشاعر وأحاسيس، الهجن ليست مجرد دابة يُعدو في ميدان، بل مرآة حضارة، وخيط منسوج في ثوب هويةٍ لا تبلى.
لقد تجسدت في الناقة معاني الوفاء والصبر، فصارت جزءًا من ثقافة المجتمع ورمزا لهويته وشكلت ملامح تراثه، وحضرت في شعره وغنائه وحكاياته، ومن ثم كان من الطبيعي والمنطقي أن تصبح الناقة رمزًا حيًّا لعلاقة متجذّرة بين الإنسان وبيئته، علاقة صاغتها الصحراء وخلدها التاريخ.
إذا أدركنا المعاني السابقة سوف نكتشف نرى الميدان بمنظور مختلف، فكل مطية تحمل قصة، وكل راكبٍ فوقها يروي رواية، تختلف في تفاصيلها أو تتشابه وتتشابك مع غيرها من القصص والحكايات، لكنها في الأخير تبقى روايات لا تُكتَب في الكتب، بل تُنقش على كثبان الرمال، وتهتف بها حناجر الجماهير عند انطلاق الشارة وفي لحظة التتويج حيث تعلو الفرحة وترتفع أعلام الفوز مع أهل الناموس والزعفران.
مهرجان العين: موطن الأصالة
في هذا العدد، الذي يتزامن مع مهرجان العين، بل ويصدر خصيصا من أجل رصد فعالياته ومتابعة جدول أعماله لا نحتفي فقط بالهجن، بل ننتهز الفرصة الثمينة لنحتفي بماضينا المشرق، وحاضرنا المزهر، فالعين كانت دومًا محطة لقاء لأهل الهجن من كل فج، وها هي اليوم تعود لتجمعهم في مهرجان يليق بتراثٍ نادر، وبناسٍ ما بدّلوا ولا تغيّروا.
صدى الزوامل يتردد، والركايب تتزين، والصغار قبل الكبار ينتظرون العرضة بشغف، إنه المهرجان الذي لا يجمع المتسابقين فحسب، بل يوحد نبض القلوب حول شغفٍ مشترك اسمه “الهجن”.
صاحب الإنجاز… من يكون؟
قد يتساءل البعض: من هو كاتب هذه الكلمات؟
لا تبحثوا عن الاسم… فـ”صاحب الإنجاز” ليس شخصًا بعينه، بل هو كل من حفظ للهجن مكانتها، وساهم في استمرارها، سواء كان راعيًا أو شاعرًا، متسابقًا أو مشجعًا، حارسًا لتاريخها أو ناقلًا لوهجها.
صاحب الإنجاز هو الذي لا ينتظر التصفيق، بل يعمل بصمت كصوت الهجن في السكون. وقد اخترت أن أبقى مجهولًا، لأن البطولة في هذا الميدان لا تتزين بالأسماء، بل تتجلى في الأفعال والوفاء للأصل.