بين رمال المرموم… القرية التراثية تُنقلك إلى قلب الثقافة الإماراتية وسط سباقات الهجن

القرية التراثية بالمرموم- دبي| تصوير أصايل الإبل

      || دبي ـ عبدالله الجعيل

على مقربة من مضمار السباق، حيث يتعالى هدير الأشواط وتتشابك الأنظار مع انطلاقة الهجن، تمتد القرية التراثية في ميدان المرموم كمساحة موازية للسباق، لا تقل حيوية ولا حضورًا. هنا، ينتقل الزائر من إيقاع السرعة والتنافس إلى إيقاع الذاكرة، ومن صخب المضمار إلى دفء المجالس، في مشهد يربط بين رياضة الهجن بوصفها فعلًا حيًا، والتراث بوصفه جذورًا نابضة لا تنفصل عن الحدث.

منذ دخول القرية، تستقبل الزائر روائح القهوة العربية والخبز التقليدي، وأصوات الباعة وهم يرحبون بالجمهور بلهجة المكان. محلات صغيرة مصطفة بعناية، تعرض كل ما يتصل بالموروث؛ مأكولات شعبية، مشروبات تقليدية، أدوات تراثية، وقطع تحكي تفاصيل الحياة القديمة. جلسات أرضية ومجالس مفتوحة تجمع أهل الهجن وعشّاقها والزوار، في مشهد يبدو وكأنه امتداد طبيعي لما يحدث على خط السباق.

اللافت أن القرية لم تُصمم لتكون معرضًا صامتًا، بل مساحة تفاعلية نابضة بالحياة. في أحد الأركان، تقف أسر إماراتية تقدم نماذج حية من التراث الشعبي، تشرح للزوار تفاصيل الحرف التقليدية التي ارتبطت بالبيئة الصحراوية، من صناعات يدوية إلى أدوات كانت جزءًا من الحياة اليومية. الأطفال يقتربون بدهشة، والكبار يستعيدون ذكريات، بينما يجد الزائر الأجنبي نفسه أمام قصة تُروى بالفعل لا بالكلمات فقط.

بيت الشعر والقهوة العربية أول استقبال للزائر

وفي قلب القرية، تنبض منصة العروض التراثية بالحركة. فرق الفنون الشعبية تقدم لوحات من الرزفة والعيالة وغيرها من الفنون، تتناغم إيقاعاتها مع أجواء المهرجان، وكأنها ترد التحية للهجن العائدة من خط النهاية. مسابقات تراثية للجمهور تضيف روح المرح والمشاركة، فتتحول المشاهدة إلى تفاعل، ويصبح الزائر جزءًا من المشهد لا مجرد عابر فيه.

هذا الحضور المتنوع، من ملاك الهجن والمضمرين إلى العائلات والسياح، منح القرية طابعًا خاصًا ليعيشوا تفاصيل التراث ويستمعوا إلى الحكايات التي تفسر علاقة الإنسان بالإبل، وبالصحراء، وبالسباق ذاته. هكذا تتكامل الصورة؛ السباق في الخارج، وروحه في الداخل.

جانب من العروض داخل القرية التراثية

ومع توالي أيام مهرجان سمو ولي عهد دبي للهجن 2026، بدت القرية التراثية وكأنها القلب الثقافي للحدث، تجمع بين الترفيه والمعرفة، وبين الأصالة والانفتاح على الزائر من كل الأعمار. فهي لا تقدم التراث كذكرى جامدة، بل كحياة يومية ما زالت حاضرة، تُمارس وتُشارك وتُحتفى بها.

في المرموم، لا ينتهي المشهد عند خط النهاية، بل يمتد إلى أزقة القرية التراثية، حيث تتقاطع القصص والوجوه، ويكتمل المعنى. هناك، يدرك الزائر أن سباقات الهجن ليست حدثًا منفصلًا، بل جزء من منظومة ثقافية متكاملة، تُروى على الرمال، وتُعاش في المجالس، وتبقى في الذاكرة طويلًا بعد إسدال الستار على آخر الأشواط.

Scroll to Top