شاعر المليون والبيرق الأول

يكشف أسرار شغفه برياضة الهجن وأثرها في شعره

 

الشعر والهجن.. وجهان للتراث الأصيل

قصائدي في الهجن كثيرة وأشهرها «بنت صوغان»
وفيها شبّهت القصائد بالهجن، والشاعر مضمرها

حققت المجد في الميادين بأول مشتراة وكانت فطيم واسميتها «كنز» التي اشتريتها صدفة ً 

بكل فخر واعتزاز يطل علينا الشاعر محمد بن فطيس المري، حامل إرث الشعر الأصيل وروح رياضة الهجن العريقة، في حوار حصري لـ «أصايل الإبل» ينبض بحكايات تُبرز محطات حياته، وتُجسد ارتباطه العميق بالشعر والهجن، مع لمسة فنية تعبّر عن وفائه للقيادة الرشيدة، وتقديره العميق لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، «بو خالد»، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أرسى دعائم حفظ الموروث الثقافي ورفع راية الشعر والهجن عالياً.

في هذا اللقاء، يكشف محمد بن فطيس عن أسرار شغفه بالهجن، ورحلته مع هذه الرياضة العريقة التي تمثل جزءاً من هويتنا وتراثنا.

حوار : محمد أبوعيطة

■  البدايات مع رياضة الهجن؟
■■  رياضة الهجن ليست دخيلة علينا، بل هي موروث تناقلناه أباً عن جد، جيلاً بعد جيل، كما يقولون: «كابراً عن كابر». كان أجدادنا يستخدمون الإبل في الأساس للسفر، وفي الحروب والغزوات، وحتى في رحلات الصيد، أطلقوا عليها اسم «عطايا الله»، وهي بالفعل من أعظم عطايا الله لنا، ولا تزال هذه التسمية ملازمة لها منذ الأزل.
وكانت سباقات الهجن موجودة منذ القدم، و«الركض سابق ومسبوق»، كما نقول. وفي أعيادنا، كان الشيبان ينظمون فعاليات متعددة، من بينها مسابقات رماية وركض على الأقدام بين الشباب، وسباقات للهجن أيضاً . ومع مرور الوقت، تطورت هذه الرياضة من كونها عادة شعبية إلى رياضة مدعومة من الدولة، بفضل ولاة أمرنا، حفظهم الله، حتى أصبحت اليوم مصدر فخر و«ناموس» بين الناس، ولم تعد رياضة الهجن مجرد سباق، بل أصبحت باباً للأرزاق، ومجالاً واسعاً يشارك فيه الكثير من فئات المجتمع.
ومن هنا جاء حبي لهذه الرياضة، حبّاً للمنافسة، وحبّاً لتراث الآباء والأجداد.
نحن اليوم في «الوثبة» عاصمة الميادين، وهذا الميدان لم يكن ليصل إلى هذا المستوى لولا بذرة زرعها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، وكبرت حتى أصبحت شجرة مورقة تؤتي أكلها، وجعلت هذا الميدان محط أنظار العرب، وملتقى لأبنائهم.
واليوم، بتوجيهات القيادة الرشيدة، هناك سعي لتوسيع الدائرة أكثر، فقد رأينا مؤخراً تنظيم سباق آسيوي، وهناك نية لأن تصبح الرياضة عالمية، بإذن الله. وهذا ما يجعلنا نفخر بهذا المستوى المتقدم، ليس فقط في الهجن، بل في كل المجالات.

■ وماذا عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، «أبو خالد»؟ كيف تصفه من خلال دعمه للتراث والشعر؟
■■ أستطيع أن أبدأ بإجابة شافية، ولكن لا بد أن أسرد أيضاً السبب الحقيقي لوجودنا اليوم هنا في هذا اللقاء، ووجودكم ولقاؤنا هذا من ثماره. فـ «بو خالد»، حفظه الله، هو من صنع برنامج «شاعر المليون» ليكون منصة لتمثيل ثقافتنا. لقد أنصف الشعراء في زمن كان الإعلام يظلمهم، ففتح لهم باباً كبيراً، لا يصعد من خلاله إلى المنصة إلا من يستحق.
شخصياً، أعتز بأنني أول وآخر من استلم «البيرق» من يد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، رئيس الدولة، وهي لحظة أعتبرها من أعظم محطات حياتي. والحمد لله، بيرقي لا يزال معي حتى اليوم، فهو الوحيد الذي لم يعد إلى المنافسة من جديد كما جرت العادة لاحقاً.
«أبو خالد» لا يدعم الشعر فقط، بل يدعم كل الرياضات وكل الموروث، وخصوصاً ما يتعلق بالثقافة. مخرجات شاعر المليون اليوم تملأ الساحة بالشعراء، وهو ما لم يكن ليتحقق لولا دعمه.
كما أنه واصل دعم الرياضات التراثية التي أسسها الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وطوّر ما يحتاج إلى تطوير حتى أصبحت «الوثبة» درّة الميادين بحق. ولصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، اهتمام خاص بالصيد والمقناص، وهو رغم حجم المسؤلية الكبيرة، يخصص وقتاً لذلك، ويدرب أبناءه بنفسه على هذه الرياضات، وأنا من الشهود على ذلك، حيث يخرج بنفسه مع أسرته الكريمة إلى الصحراء للصيد، ويغرس فيهم حب هذا الموروث.
في زمن طغت فيه الحداثة على الكثير من القيم والعادات، يبقى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رمزاً وأساساً متيناً لحفظ هذه الثقافة، سواء في الشعر، أو الهجن، أو الفروسية، أو الصقارة. ولو أردنا الحديث عن أفضاله في هذا المجال «حتى الصباح» فلن نوفيه حقه.
■ لو قلنا أشهر قصيدة، أو بالنسبة لك أغلى شعر أو المحبب لك في الهجن أو في ناقة أو في بعير أو في هذه الدائرة؟
■■ والله كثيرة، صراحة، قصائدي في الهجن كثيرة، ولكن قصيدة ألقيتها أمام رئيس الدولة، في الموسم الأول من شاعر المليون على المسرح، وكان عنوانها «بنت صوغان»، وصوغان سلالة عريقة ومعروفة، وفيها شبّهت القصائد بالهجن، والشاعر هو مضمرها في ذاك الوقت. ومن أبيات هذه القصيدة:

في شاعر المليون للشعر مضمار
والسابقه في الشـوط تظهر بيدها

ومضمرين بكار الافكار شـعّار
وكل ٍ يحضر بكرته في وعدها

واللي تردت لا يدور لها اعذار
معذورة ٍ ما دام قد ذا جهدها

واللي تعوص وتضرب الحاجز يسار
تشل في الدنه وترجع بلدهـا

وانا محضر بنت صوغان الافكار
من حبها عندي تفحم وحدها

ان جارها الله من صواديف الاقدار
جاتك وجاك الجيش كله بعدها

الله عليها من مقاريد الانظار
وصلت تحسك ما غشاها زبدها

وتلقفوها بالعلم رمز وشـعار
وصفق لها منهو بعينه شهدها

ومرو بها تو المنصه كما الطار
يالي تزعفرها من الطاس زدها

شبهت بالهجن الاصيلات الاشعار
وقصيدتي تراث اهلنا مددها
أعتز به واقف له جلال وكبار
واحة شرف يا سعد منهو وردها

أغلا ابلنا في ماجب الضيف والجار
يحلب لبنها قبل يذبح ولدها

وتراثنا من دونه نبيع الاعمار
وبفعالنا روس المعالي صعدها

واليوم ضاق الجو من كثر الاقمار
تبث حقد الي لحقده رصدها

غزى الشعر قبل امس غازين الافكار
قوم ٍ على الساحة دفعها حسدها

تلقفوها وجاوا من كل الاقطار
هذا يصبحها والاخر هجدها

هذا يحرف بالأدب سر وجهار
وهذاك يذبح موهبه في مهدها

واقفوا على ابل الشعر في وقت الاسحار
غاروا على الساحة وعروا جسدها

وصاحت بعد ما شافت ان سترها طار
و وقف ولد زايد محمد سعدها

قال ابشري بالستر وبردة الثار
واضفا عليها سترها ما نشدها

واستـل سيـف ٍ فالمواجيـب بـتـار
واطلب ورد البل على من فقدها

على خطى زايد خطاويه ما بار
والحاجه اللي في خياله وجدها

اغنى العرب من شوف اكاديمي ستار
و من شوف امر من السخافات وادها

شفت الشعر بستان وابوابه ازهار
وقطفت ما يسكن مشاعر شهدها

■  لو قلنا إن الهجن عندك أو في ذاكرتك من الحلال، هل المطية التي في حياتك لها موضع ومكانة إلى اليوم؟
■■ أول بكرة اشتريتها، وهي باركة، ما شفت لها سباق، لكن عيني جت عليها. جيت علشان أشوف بكرة ثانية في نفس العزبة، والعزبة معروفة لسعيد محمد العويسي من سلطنة عُمان، وكان معي أخي وصديقي الغالي سالم حمود المالكي من سلطنة عُمان. دخلنا نبغي نشوف بكرة سابقة في ذلك اليوم، وسبحان الله ما أعجبتني، فلفتت انتباهي هذه البكرة التي باركة، فسألت عنها.
فقال لي صاحب البكرة، يعني بما معناه: «إيش تبغي فيها هذه وأنت جاي تشوف هذه؟»
قلت له: «أنا أبغي أشوف هذه البكرة».
قال: «هذه ما هي للبيع».
وقفت وقلت له: «إذا تسمح، نزل اللحاف».
نزل اللحاف، ودخلت في خاطري البكرة. سبحان الله، ما أقول لك إني ذاك الوقت أعرف، لا والله، كنت في بداياتي صراحة، ولكن دخل في خاطري إحساس.
قلت: «أنا أبغي هذه البكرة».
قال: «طيب كيف تبغيها وأنت ما تعرف عنها شيئا؟»
قلت: «كيف ما كيف، أبغيها».
قال: «وتلك الأولى كانت معروضة علينا بثلاثمائة ألف، وهذه الثانية مش للبيع».
قلت: «أنا بشتري». إذا أنت تركض وتبغي البيع.
قال: «البكرة هذه بمليون».
قلت: «سبحان الله، كيف هذه بمليون وتلك بثلاثمائة؟»
قال: «ما ندري أن معك جن وإنك بتيجي وتروح لها وتخلي هذي، أنت جاي لها».
قلت: «أنا أبغي هذه البكرة».
وتفاوضنا معه، من مليون جلسنا من الساعة 8:30 الصبح إلى الساعة 12، ولما تعبت خليت سالم المالكي يجلس عنده، وكلمت سالم وقلت له: «لا تطلع إلا بالبكرة»، وجزاه الله خيراً، صاحبها كان سمح جداً، باعنا إياها بشرط أن تكون الكاش، بأربعمائة ألف.
هل حققت إنجازات في مجال سباقات الهجن؟
نعم، حققت الكثير من الإنجازات بحمد الله في الميادين وسميتها «كنز»، سجلت أفضل توقيت وحصلت على سيارة نيسان باترول في قطر وكانت تسعيرة مليون ومئتين تقريباً وساموها بمليون ورفضت.
كما سبقت فالإمارات رغم تعطل الجهاز، وحققت الفوتو فنش ع (مجسم) رمزاً مميزاً، وبعتها بمبلغ ثلاثة ملايين وكتبت قصيدة عن «كنز» منها ما قلت:

لاتنشد من بعيد ولاتزيد
كنز من دون الثلاثه ماتباع

كنز ماهي جمرة ٍ في كف الايد
غير ناموس ٍ مع اهل الهجن شاع

لايسوم اللي ضلوعه من جريد
من يفتش للوسوم وللضلاع

لا يسوم الا حد ٍ ضلعه حديد
يكتب الشيكات عاد اسمي يذاع

لاتكاسر زود ياساع البريد
انت مخبا الشيخ منت بله دفاع

لو بغاها الشيخ جاته دون قيد
نهدي اللي لا تسام ولا تباع

ولو نطرشها على ملة ثريد
مانقص من ملكنا لو ربع صاع

كنز ماتبغي مخلص لو تعيد
راجع الرابط قبل يبدا الصراع

يوم قام الشوط كنه جول صيد
مثل ادامي عاثي ً فيها سباع

لاحقتهم دون اوامر من بعيد
قد نصيفة هجن خلق الله شباع

ويوم سيقت جاكم العلم الوكيد
وحظنا الطيب حسم تالي النزاع.

نشتري الناموس لو خلي الرصيد
ونطلب التوفيق ونفل الشراع

خلها ترتاح وانا المستفيد
عادها اغلا فاللقايا والجذاع

وأخذوها الرئاسة وقالوا: «هذه صاحبة القصيدة»، فقلنا نعم. قالوا أخذناها بسبقها وبقصيدتها وأسمها
وماذا بعد «كنز»؟
الحمد لله، بعد «كنز» حققت الكثير من الإنجازات، وسبق كثيراً. حصلت على أول رمز يُوضع باسم الأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، وهو أول رمز يوضع بسن الثنايا في الطائف، كانت بكرتي اسمها «مقروعة»، وهي تسمية البنت المخطوبة التي يرفض أبناء عمها تقدم أحد لخطبتها، فسمّيتها «مقروعة». وحصلت على أول رمز في كأس الثنايا المفتوح بالطائف باسم ولي العهد السعودي،
واستلمت الرمز من يده الكريمة شخصياً
كما كرموني بالقاء قصيدة أمام خادم الحرمين الشريفين في أول مهرجان للإبل فالصياهد.
ما دور الشعر في دعم رياضة الهجن؟
منذ تأسيس سباقات الهجن، كان من الضروري وجود القصائد التي تسبق وتواكب السباقات.. فالقصائد تُمدح بها الذلول (الإبل)، ولا يكاد يخلو أي مهرجان خليجي من قصيدة تُقال في المهرجان أو عن البكرة التي لفتت الأنظار أو نالت السيف. الشعر هو أحد أضلاع هذه الرياضة وروحها، ولا يمكن الفصل بين السباقات والكلمة الشعرية.
هل لديك قصائد في هذا السياق؟
نعم، لدي العديد من القصائد التي كتبتها في مناسبات مختلفة. مثلاً في هجن الرئاسة قلت:

قبل يبدا الشوط والعالم وقوف

والحفوز من الحماسة داخلية

بين اماني واعتقاد وبين خوف

واعتصاب وبين تشجيع وحمية

قام شوط السيف والعالم اتشوف

والعرب كل يرشحله مطية

والهجن قامت على صغار الخفوف

والحمام يطير تو الاولية

روحت كنها على قرع الدفوف

كالقطىى اللي ذيروه مواردية

والصور شين طبيعي ومعروف

وشي فوق الهجن بالمروحية

جاتك اللي كلها غارب وجوف

جايعة ركظ وعلى السبقه ظمية

جاتك الذيبة نعامية وصوف

حايرة بين السما والجاذبية

زعفروها من الخافاف الى الكتوف

زعفرانه بالشكل والمعنوية

تلحق اللي توها غصب وتطوف

كنها ظبي خطته البندقية

كنها بنت مخضبة الكفوف

وكنها بالشكل دلة شاذلية

اكسرت تيم وخذت سيف السيوف

وللرياسه شلته رمز وهدية

ما هي آخر إنجازاتك في ميادين سباقات الهجن؟
حققنا آخر رمز مع بعير اسمه «جيلبوت»، وهو اسم نوع من أنواع المراكب الكبيرة، بما أنه سفينة الصحراء سميته بهذا الاسم. وقد فاز وتميز وحصل على ثلاث بنادق وأربع مرات ثاني على البندق وخمس سيارات.

كلمة أخيرة؟

أقول نصيحة للتمسك بأدب المجالس التي تربينا عليها، وهي أنه عندما يتكلم الرجل الكبير، يصغي الجميع له ولا يقطع كلامه حتى ينتهي، فهذه هي أدبياتنا كعرب وقبائل وعند العرب عامة. الكبير له مكانته، والصغير له مكانه، ولكل واحد دوره في المجلس.

(ممنوع التصوير إلا بإذن)  ملصق وضعه الشاعر أمام مدخل المجلس.   

أما ظاهرة الإعلام الحالي الذي أصبح شخصياً، فهي كارثة حقيقية. في عصر التواصل الحديث، أصبح كثيرون يدعون أنهم إعلاميون لمجرد أن لديهم هاتفاً يحولونه إلى «تلفزيون» وقناة خاصة بهم، يفرضون أنفسهم على الناس وخصوصياتهم بلا مراعاة للأدب أو للحرفية والمهنية. تخيل أن كلامك في مجلسك يسمعه العالم كله بدون رقيب، فليس كل ما يُقال ينبغي أن يُنشر أو يُبث.

لذلك وضعت تقليداً جديداً في عزبتي في الوثبة، وهو تعليق لافتة عند باب الدخول تقول: «ممنوع التصوير إلا بإذن»، حتى نعرف من يصور، لأن هناك ضيوفاً وخصوصية، وقد يلتقط أحدهم كلاماً ويُغيّره أو يستخدمه بطريقة تضعنا في موقف غير حقيقي أمام الناس او محرج.

مهرجان صاحب السمو رئيس الدولة بأم القيوين

Scroll to Top