ولادة الإبل في الصحراء.. معركة صامتة بين الطبيعة وخبرة المربين

|| حسن سلامه
تعدّ ولادة الإبل من أكثر المراحل حساسية في دورة حياتها، لما تحمله خصوصًا في البيئات الصحراوية التي تعتبر هي المصدر الوحيد لدي الإنسان والذي ارتبط بالإبل منذ آلاف السنين. وفي هذا الوقت من العام وهوا موعد ولادتها حيث تتقلب الأحوال الجوية بين برودة الليل واعتدال النهار في مناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية، يواجه مربّو الإبل تحديات إضافية لضمان ولادة آمنة للناقة وسلامة المولود الجديد رغم صعوبة مخاض الناقة في الولادة.
ترقب واستعداد
من المتعارف علية لدي اهل الحلال ان فترة حمل الناقة تصل الى نحو 12 إلى 13 شهرًا، ما يجعل لحظة الولادة حدثًا منتظرًا بدقة من قبل المربين. ويحرص البدو على مراقبة الناقة الحامل في أسابيعها الأخيرة، إذ تظهر عليها علامات واضحة مثل ان تكون في قلق وتتحرك كثيرا ….تتمرغ اي تتقلب في الارض …حتي انهم قالوا عنها “بتعدل حوارها” اي تهيئة للخروج في وضعية صحيحة وايضا يظهر انتفاخ الضرع، وابتعادها عن القطيع بحثًا عن مكان هادئ. في هذه المرحلة، تُنقل الناقة غالبًا إلى موقع آمن قريب من المضارب، بعيدًا عن الرياح الشديدة أو الأرض الصلبة.
غير أن الظروف المناخية في هذا الوقت قد تزيد من صعوبة المهمة؛ فالبرودة الليلية قد تعرّض “الحوار” — وهو الاسم الشائع لصغير الناقة — لخطر انخفاض حرارة الجسم، خاصة في ساعاته الأولى. كما أن هبوب الرياح المحمّلة بالغبار قد يسبب التهابات تنفسية للمولود الضعيف ….وبعد الولادة مباشرة يقوم اهل الحلال في بعض المناطق بحلب الناقة وخلط الحليب بالعطر او كزء بسيط من الصابون ذو الرائحة مع القرنفل ويتم سقاية الصغير حتي لا تؤثر فية اي روائح عطرية وتكون تحصينا ووقاية من اي امراض.
مسميات الصغار
تتنوع مسميات صغار الإبل في الثقافة البدوية، وتعكس كل تسمية مرحلة عمرية محددة. يُطلق على المولود حديثًا اسم “الحوار” أو “الحاشي” في بعض المناطق، وهي تسمية تستمر حتى يبلغ نحو ستة أشهر. وبعد الفطام يُسمى “المفرود”، ثم “اللقي” في عامه الثاني، وصولًا إلى “الجذع” و“الثني” مع تقدمه في العمر.
هذه التسميات ليست مجرد ألفاظ، بل تعكس معرفة دقيقة بمراحل النمو، وتحدد طريقة التعامل والرعاية، سواء في التغذية أو التدريب أو إدماجه ضمن القطيع.
لحظة الولادة
عند اقتراب المخاض، يتابع صاحب الإبل أو من ينوب عنه الناقة عن كثب. وفي الغالب، تلد الناقة واقفة أو باركة وتستغرق العملية ساعات واحينا تطول المدة إذا كانت طبيعية. يتدخل المربّي فقط عند الضرورة، كأن يتأخر خروج المولود أو تظهر وضعية غير طبيعية.
ويعتمد البدو على خبراتهم المتوارثة في التعامل مع هذه الحالات، حيث يُراعى الهدوء التام حول الناقة، ويُمنع اقتراب الغرباء حتي لا تنزعج الام .وربما في حالات تبتعد عن مولودها ..وتسمي .نافر… وبعد خروج “الحوار”، يُترك للحظات حتى تبدأ أمه بلعقه، وهي خطوة مهمة لتنشيط الدورة الدموية وتقوية الرابط بينهما.
من أبرز المصاعب التي تواجه الولادات في هذا الموسم نقص المراعي أحيانًا، ما يؤثر في تغذية الناقة خلال فترة الحمل. فالناقة التي لا تحصل على غذاء كافٍ قد تلد مولودًا ضعيف البنية، أو تعاني من قلة الحليب. لذلك يلجأ كثير من المربين إلى دعمها بالأعلاف المركزة والتمور والشعير. عندما تقترب موعد ولادتها
كما يواجه بعض المربين حالات تعسر الولادة، خاصة في النوق الصغيرة أو كبيرة السن. وهنا لابد من الاستعانة بمن لديهم الخبرة في مساعدة الناقة في عملية الولادة حين الحاجة مع حفاظهم على الطرق التقليدية في الرعاية اليومية.
طقوس خاصة
بعد الولادة، يُحرص على بقاء “الحوار” قريبًا من أمه في الأيام الأولى، وعدم فصله عنها إلا للضرورة. ويُراقب المربّي عملية رضاعته الأولى، إذ يُعد حليب “السرسوب” ضروريًا لتعزيز مناعته. وفي الليالي الباردة، قد يُغطّى الصغير بقطعة قماش خفيفة، أو يُحاط بسياج بسيط يقيه الرياح.
وفي بعض البيئات، تُقام طقوس بسيطة احتفاءً بالمولود الجديد، خاصة إذا كان من سلالة معروفة أو ناقة ذات قيمة عالية او رسن مشهور ومعروف وتبقى هذه اللحظة مصدر فخر للمربّي، إذ تعني استمرار النسل وزيادة في الثروة.
إرث يتجدد
تظل ولادة الإبل حدثًا يتجاوز كونه عملية بيولوجية، ليعكس علاقة عميقة بين الإنسان والصحراء. وبين تحديات الطقس وتقلبات المراعي، يواصل البدو الحفاظ على معارفهم التقليدية، مستندين إلى خبرة الأجداد في رعاية هذا الحيوان الذي شكّل عماد الحياة في الصحراء. لكن روح الترقب والاهتمام التي تحيط بولادة “الحوار” لا تزال كما هي؛ لحظة انتظار تمتزج فيها الخبرة بالفطرة، ويُكتب فيها فصل جديد من حكاية الصحراء مع الإبل.