الهجن في اليمن.. من “طريق البخور” إلى ميادين السباق.. إرث حضاري يتجدد

تقرير: (خاص)

تستعيد رياضة الهجن في اليمن حضورها اللافت كأحد أبرز ملامح الهوية الثقافية، حيث تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ، حين كانت قوافل طريق البخور تنطلق من سواحل حضرموت نحو أرجاء الجزيرة العربية، معتمدة على الجمل كوسيلة حياة ومحرك رئيسي لاقتصاد حضارات سبأ وحمير وقتبان.

واليوم، تعود هذه الروح لتتجسد في ميادين السباق الحديثة، حيث تتحول الهجن من رمز تاريخي إلى رياضة تنافسية تستقطب آلاف اليمنيين، خاصة في مدينتي تريم وعسيلان، اللتين أصبحتا محط أنظار المهتمين بالتراث والهجن.


تكشف النقوش المسندية المكتشفة في معبد معبد إلمقه بمدينة مأرب ومناطق مكيراس عن عمق العلاقة بين الإنسان اليمني والإبل، حيث لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل رمزاً للقداسة والاعتزاز، وقد قُدمت تماثيلها البرونزية كقرابين طلباً للبركة.

ومع ازدهار طرق التجارة القديمة، لعبت الهجن دوراً محورياً في ربط الشرق بالغرب، ما أسهم في تشكيل موروث ثقافي غني، تجلى في فنون “الهجين” من الأهازيج الشعرية التي كان يرددها المسافرون، ولا تزال حاضرة في الفعاليات التراثية حتى اليوم.


شهدت الأعوام الأخيرة، وخاصة خلال 2025 ومطلع 2026، نشاطاً متزايداً في تنظيم سباقات الهجن، أعاد الحياة إلى العديد من المناطق الصحراوية في اليمن.

ففي تريم، احتضنت المدينة التاريخية في فبراير 2026 سباقاً سنوياً كبيراً بمشاركة أكثر من 130 متسابقاً، وسط حضور جماهيري واسع، ما حولها إلى منصة جذب سياحي وثقافي.

وفي محافظة شبوة، برزت مديرية عسيلان كمركز رئيسي لهذه الرياضة، من خلال استضافتها مهرجان “محمد بن زايد” للتراث في ديسمبر 2025، والذي شهد مشاركة نحو 450 متسابقاً، في مؤشر واضح على تنامي الاهتمام بسلالات الهجن اليمنية الأصيلة.


تتركز تربية الهجن في المحافظات الشرقية والشمالية، مثل حضرموت وشبوة ومأرب والجوف والمهرة، حيث تُقدر أعدادها بنحو 350 ألف رأس.

وتبرز سلالات “الأصايل” في المناطق الصحراوية، إلى جانب “إبل السواحل” في تهامة، كأجود الأنواع التي يحرص الملاك على إعدادها للمشاركة في سباقات الفئات العمرية المختلفة، مثل “الحقايق” و“اللقايا” و“الجذاع”.


ورغم التحديات التي تمر بها البلاد، تظل رياضة الهجن في اليمن رمزاً حياً لصمود الهوية، وجسراً يربط الحاضر بالماضي، حيث لا تقتصر على كونها منافسات للسرعة، بل تمثل احتفالاً متجدداً بإرث حضاري عريق، يؤكد تمسك اليمنيين بجذورهم الثقافية وإصرارهم على إحيائها في ميادين القرن الحادي والعشرين.

Scroll to Top