من قماشٍ بسيط إلى مجدٍ يعتلي ظهور المطايا… حكاية "حوايا" أبو شوكان

|| مصر(سيناء) ـ حسن سلامة
داخل مصنعٍ متنقّل، لا يعرف الثبات إلا بقدر ما تعرفه القافلة في الصحراء، تبدأ الحكاية علي رمال شبه جزيرة سيناء المصرية..هنا فى منطقة “جعل” شمال غرب سيناء يجلس “حميد أبو شوكان السويركي”، ستينيّ العمر، شابّ الروح، تتحرّك أنامله بثقة من يعرف الطريق جيدًا. قطعة قماش بين يديه، مسلّة، وخيط… وبعد ساعات من الصبر والدقة، تتحوّل القطعة الصامتة إلى حوايا تزيّن ظهور المطايا في الميادين.
يفتح أبو شوكان خزائن ذاكرته قبل أن يفتح صناديق أدواته. يروي القصة بلسانه، لا كحرفةٍ طارئة، بل كامتدادٍ طبيعي لحياةٍ وُلدت في حضن البادية.
يقول: «عملت في رعاية الإبل منذ الصغر، فالإبل كانت جزءًا من حياتنا، مثل أي بيتٍ في البادية. استمريت في هذه المهنة سنوات طويلة، حتى عام 2000، حين اتجهت إلى صناعة حوايا الإبل، بعد أن كوّنت خبرة واسعة من رعايتها، ومعرفة ما تحتاجه المطية فعلًا».
لم تكن الفكرة وليدة لحظة، بل نتيجة احتكاك يومي بالإبل، وتنقّل دائم بين العزب، وفهمٍ دقيق لما يريح البعير والراكب معًا. ومع ازدياد سباقات الهجن في سيناء، بدأ الطلب يتصاعد، خصوصًا من المضمرين الذين يبحثون عن حوايا خفيفة، مريحة، ومتقنة الصنع.
يضيف أبو شوكان بابتسامة واثقة:
«ولدت لدي فكرة الصناعة، خاصة أن لها مردودًا ماديًا لا بأس به، ومع الإتقان وجودة المنتج، زاد الطلب عليها عامًا بعد عام».
اليوم، لم تعد الحوايا تُصنع عنده بلا موعد.
الحجز بالأسبقية، والطلبات تتزاحم من عزب التضمير وميادين السباقات، بل تجاوزت الحدود، لتصل منتجاته إلى الأردن والسعودية، وهو ما زاد من حافزه لتطوير العمل، والتمسك بالجودة، والوفاء لأدق التفاصيل.
وعن أسرار الصنعة، يوضح أبو شوكان أن صناعة الحوايا ليست عملًا يدويًا فحسب، بل فنٌّ يحتاج إلى ذائقة وصبر.
الأدوات بسيطة في ظاهرها: خيط، مسلّة، وقطعة قماش يجلبها من السوق، ثم تبدأ رحلة التفصيل والتجهيز، وصولًا إلى مرحلة الحشو. وغالبًا ما يستخدم قش الأرز، لخفته وراحته للمطية والراكب أثناء الحركة والجري.
ويختتم حديثه قائلًا:
«الحوية الواحدة تأخذ من يومين إلى ثلاثة أيام من العمل المتواصل والشاق، حتى تخرج بالشكل الذي يرضيني قبل أن يرضي الزبون».
هكذا، من مصنعٍ متنقّل، ومن روحٍ عاشقة للإبل، يواصل أبو شوكان كتابة فصله الخاص في كتاب التراث… فصلٌ تحمله المطايا على ظهورها، ويعبر به الصحراء والحدود.
