وبر الإبل.. حرير الصحراء الذي نسج حياة البدو واقتصادهم عبر الأزمنة

        ||  حسن سلامة

يُعد وبر الإبل أحد أبرز المنافع التي  قدمتها الإبل للإنسان في البيئات الصحراوية، إذ شكّل عبر التاريخ موردًا اقتصاديًا وموسمًا سنويًا ينتظره أهل الإبل ومربوها، لما يحمله من قيمة نفعية وتراثية ما زالت حاضرة حتى اليوم. فالوبر، الذي يغطي جسد البعير كاملًا، عُرف بنعومته الفائقة ورقته الشديدة، وضُرب به المثل في اللين وحُسن المعاملة، فيقال: «فلان يشبه الوبر في تعامله وأسلوبه»، دلالة على الرقي والسهولة وعدم النفور.

ومع هذا الإدراك لقيمته، تحوّل الوبر إلى موسم سنوي مهم، يُجمع ويُباع ويُنتفع به، فدخل في صناعات متعددة لازمت الإنسان الصحراوي قديمًا وحديثًا، وأصبحت جزءًا من تفاصيل حياته اليومية ومعيشته.

الإبدال.. موسم تجدد الوبر
يطلق أهل الإبل على فترة تبديل الوبر اسم «الإبدال»، وهي عملية طبيعية تتجدد سنويًا، حيث يطرد البعير وبره القديم ليخرج وبر جديد. وتبدأ هذه المرحلة من مطلع فصل الربيع وتستمر حتى منتصف الصيف. وفي بعض الإبل يتساقط الوبر تلقائيًا، بينما يُنزع باليد في حالات أخرى، وقد يُقص أحيانًا، إلا أن الغالب هو نزعه يدويًا، تبعًا للحالة الجسمانية للبعير؛ فالإبل القوية يسهل التخلص من وبرها بسرعة، أما الضعيفة أو الهزيلة فتحتاج إلى عناية وأدوات إضافية.

وخلال هذه العملية، يجتمع الرعاة ويُلاطفون إبلهم، مرددين الأهازيج الشعبية التي توارثوها، ومنها:
«يا حمر يام الوبير القمدي
خليت نومي مثل نوم الأرمدي»

في مشهد يجسد عمق العلاقة بين الإنسان والإبل.

استخدامات تمتد من اللباس إلى الطب الشعبي
لم يكن وبر الإبل مجرد خامة، بل منتجًا متكاملًا من صميم البيئة الصحراوية. فقد استُخدم في صناعة الطواقي التي ارتداها رجال البادية، ودخل في الغزل والنسيج اليدوي، ومنه صُنعت «شملة الناقة» التي تُستخدم لتغطية الضرع أثناء فطام الحوار. كما استُخدم في صناعة الفرش والأغطية وبطانات بيوت الشعر، مثل «المعاند».

وللوبر حضور في الطب الشعبي، حيث يُلف خيط مصنوع من وبر الحوار الذي يبلغ عمره عامين حول معصم اليد أو القدم لعلاج الالتواءات وتخفيف الألم، وفق معتقدات متوارثة. كما دخل في صناعة حُلي الرجال، وأشهرها «العقال» أو «المرير»، الذي لا يزال مستخدمًا حتى اليوم، خاصة لدى كبار السن في بعض القبائل.

تراث حي واقتصاد مستدام
وبر الإبل ليس مجرد مادة طبيعية، بل قصة تراث حيّ، يعكس علاقة الإنسان ببيئته، ويجسد قدرة المجتمعات الصحراوية على تحويل مواردها البسيطة إلى عناصر حياة واقتصاد وثقافة، ما يجعله بحق «حرير الصحراء» الذي ما زال ينسج حضوره حتى يومنا هذا.

Scroll to Top